.
السبت 05/12/2020

اين نحن الان ؟

منذ 6 سنوات في 04/مايو/2015 6

شد انتباهي منذ وهلة، بعض الاخوة ممن يحلّل و ينظّر دون ما انطلاق من واقع موضوعي لقضايا شعبه و وطنه، و لو ان هذا حق له لا ينكره احد و لا يستطيع تقييده في ذلك . الا ان اساس التوفيق لمن اراد النجاح في اي عمل، يكمن اصلا في الانطلاق من اساس موضوعي معين يكون مرجعا يوجه نشاطه و يحتضن حصيلته . و منه ارتأيت ضرورة التنبيه الى ما قد يفوت البعض او يغفل عنه . فاستحضار نشأة الأشياء و الاحوال التي كانت عليها لتقدير مآلها لاحقا، امر اساسي في المعرفة . يعنى اعارة الاهتمام لتسلسلها التاريخي و التدرج الذي تمر به في كل مرحلة. فمن لا يتعلم من ماضيه لا يعرف حقيقة حاضره و بالتالي لن يتمكن من تحديد مستقبله بنجاح ، فالسياسة عمل معقد يتأثر بالمعطيات العامة و الخاصة و الظروف الدقيقة المتغيرة باستمرار تبعا للأهداف المراد تحقيقها ، و ينطلقُ من ثوابت تستنبط من المميزات الاجتماعية و الاقتصادية والتاريخية للبلد ، في غالب متجدد باستمرار لمواكبة الأحداث , فالماضي و الحاضر و المستقبل هم حلقات في سلسلة بناء تواصلي تدريجي في ميادين شتى ، يتم التقدم و النجاح فيه بحسب مستوى الاستفادة من التجارب و الاستنتاجات المحصل عليها في كل حقبة تاريخية لتكون اساسا ترتكز عليه الحقبة التي تليها ، مع تقدير الظروف الخاصة و العامة لها ، مشكلة هي الاخرى قاعدة لما بعدها ، و هكذا دواليك . و هذا امر لا يتأتى النجاح فيه لمن هب من السياسيين ، بحكم دقتها و تعقيدها.
فبالنسبة لمن يريد الخوض في السياسة التي تحكم الشعب الصحراوي منذ نهاية الستينيات الى الان ، فلابد له من اتباع نفس القواعد و التمسك بمميزاتها لتفادى السباحة في الخيال . و من المعلوم ان الشعب الصحراوي ليس وليد ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ، بل هو شعب عريق ضارب في اعماق التاريخ و مقومات شخصيته الوطنية المستقلة بارزة للوجود تاريخيا و طلائعيته في المنطقة ليست بجديدة ، و دليل ذلك حضوره الدائم في محيطه الجغرافي و ذوده عن وطنه الحبيب الى جانب مشاركته الفعالة في الدفاع عن جيرانه و كونه آخر من هادن الاستعمار . وهنا اردت ذكر هذه الفترة التي شكلت قفزة نوعية في حياة الشعب الصحراوية السياسية نتيجة تراكمات تاريخية ، حيث استقرت فيها بُوصَلَته ببروز فكره الوطني الحديث. تلك الحقبة التي كانت مكاسبه قبلها تُجعل في ميزان مَبْكُوكْ نتيجة انعدام دليل وطني يحتضن المكاسب و يصونها مما تطلب وضع حد لذلك بإجاد الفكر الذي تشكل في نهاية ستينات و بداية سبعينيات القرن الماضي و الذي لم يولد من خيال او صدفة و انما كان خلاصة لكل التجارب التي مررنا بها منذ زمن بعيد والدال على ذلك , كونه استغرق قرابة عشر سنوات في التكوين حتى تتضح معالمه النهائية في سنة الف وتسع مائة خمس و سبعين ، و لم يتأسس معزولا عن الواقع ، بل اعتمد في نشأته و مراحل تطوره ونضجه على الواقع و الظروف المهيمنة انذاك و استفاد مما سبقه من مراحل و ما كان من انتكاسات ، وتمت بلورته انطلاقا من ذلك حتى ارتقى لمستوى مواجهة التحديات الصعبة القائمة آنذاك وتحديد آفاق التحول من واقع مرفوض الى واقع افضل ، اهم معالمه : شعب يئن تحت نير الاستعمار الغاشم مع وجود جيران طامعين اضافة الى ما يعانيه هذا الشعب من فقر و تجهيل وتشتت و حرمان و عزلة عن العالم الخارجي ، اذ انه كان خلاصة و عصارة كل التجارب التي سبقته لمعالجة واقع محدد مرفوض و من اجل الوصول الى واقع مغاير مطلوب.
و بما ان المقام لا يتسع لسرد التاريخ ، فسأكتفي بالإشارة الى بعض الحقائق الأساسية في هذا السياق ، مما يقودني الى طرح الاسئلة التالية و الاجابة عليها : – لماذا تأخر بناء دولتنا وأين ذهبت المكاسب التي انتزعها شعبنا عبر كفاحه البطولي الطويل ؟. – لماذا احتقرنا الاخرون و طمع بعضهم فينا و قد قامت لهم دولا بتضحياتنا ؟.- و بما اننا كنا طلائعيين في المنطقة فما هي اسباب ” تْفَشْوِيلْنَ” ولماذا لم نجني ثمار طلائعيتنا ؟.- و كيف بدأنا نسترجع مكانتنا من جديد و ما هية ذلك؟.
جواب ذلك نحصل عليه عندما نعرف مكامن ضعفنا و هفواتنا التاريخية ، و كيفية التغلب عليها و التخلص مما امكن منها و وضع البدائل التي تجعلنا في المستوى المطلوب منا لاحقا ، وهكذا فبالرحيل عنها نتقدم وبالرجوع لها نتراجع.
و مكامن ضعفنا قبل سبعينيات القرن الماضي تتلخص أساسا لا حصرا في الاتي:
– عناصر التفرقة والشرذمة بمختلف انواعها و الانشغال بالذات.
– عدم وجود تنظيم شامل مستديم مسلّم به.
– البساطة في التفكير و السذاجة السياسية و ما ينجم عن ذلك من سهولة الانجرار وراء الهبّات السياسية الغير محسوبة العواقب.
– انانية بعض الزعماء و ارتمائهم في احضان الغير .
– قرب النظر و الاكتفاء بسد الرمق.
– طبيعة العيش المتنقل و ما ينجر عنها من ضرر في مفهوم الوطنية و الارتباط بالوطن.
و في نهاية الستينات وبداية السبعينات توصلت طلائع الشعب الصحراوي الى الوقوف على هذه المعطيات وعملت على سد النقص و الاخذ بالبدائل ، و تم وضع السياسة المناسبة للخروج بالشعب الصحراوي من وضعية الجمود و التشرذم و العدمية السياسية، الى حظيرة الامم ليتولى زمام امره و هو ما تولدت عنه الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهاب، كتنظيم شامل و جامع لكل القوى و الإمكانات الذاتية للشعب الصحراوي لتحقيق اهدافه المنشودة في الحرية و الاستقلال، حيث برز للوجود: شعب واعي منظم، قادر و ملتحم فوق ارض وطنه و لو جزئيا.
و عند ما برزت نتائج ذلك في الميدان تزعزعت ركائز الاستعمار و اصبح عمره على ارض وطننا الحبيب يُعدُّ بالأيام ، فسال لعاب الطامعين الذين بنوا دولهم بتضحياتنا ، لأنهم دأبوا على سرقة مكاسبنا ، حتى وصلت بهم الشراهة الى الطمع في ابتلاعنا، فكان التحدي الاكبر في تاريخنا كما هو معلوم ، و لأجل ذلك كان نداء الوحدة الوطنية الذي كان شرطه الاول و الاساسي و الذي كاد ان يكون الوحيد هو ضم الصفوف و التصدي للاستعمار وكل الطامعين معا، لفرض الاستقلال وحمايته و هو النداء الذي لا يزال قائما الى الان , النداء الذي لا يستثني اي صحراوي ما دام يتمسك بالإستقلال ، بغض النظر عن قناعاته و ميولاته السياسية ، وتم التقاضي عن كل ما من شأنه ان يشغلنا لنتفرغ كلية للأعداء قديمهم وجديدهم مجتمعين .
و لكي لا اسبح كثيرا في عرض هذه الحقائق المفترض انها معلومة لدينا جميعا ، اكتفي بتحديد اين نقف الان، في ما يلي:
فنحن نقف الان على القاعدة التالية:
– جمع صحراوي واسع يضم مختلف الوان و فئات الشعب توحده حرب تحرير وطنية من اجل الاستقلال تحت لواء الجبهة الشعبية ، الممثل الشرعي و الوحيد لهذا الشعب الذي سلمها زمام امره في تلك الفترة العصيبة ، وكانت و لازالت وستبقى ، اهلا لذلك الى غاية الاستقلال ، وهي مكسب تاريخي لن يقوم للشعب الصحراوي اية قائمة قبل الاستقلال الا به ، و المحتل المغربي يعي ذلك جيدا و يحاول تدميره بكل الوسائل المتاحة له ، و الجبهة الشعبية هي الصخرة الصلبة التي تكسرت و تتكسر عليه كل مخططات المحتلين وهي ايضا خيط التسبيح بالنسبة لنا،الخيط الذي ان انقطع، لا قدر الله ، نعود للصفر و ربما ننتهي. و بالتالي هي مفتاح الحل بها نكون وبدونها لا نكون، على الاقل في مدة طويلة من الزمن. حفظنا الله من كيد الاشرار و ما اكثرهم.
اذن هذا هو الاطار السياسي الوحيد الذي توارثته الاجيال الصحراوية و انقذها من الهاوية و حمته بدمائها و تعاقبت على صنعه و هو مُلك لها و امانة في اعناقها فلا يصح اي تحليل او تنظير في شأن الشعب الصحراوي، الا انطلاقا منه.
هذه حقائق و ثوابت قائمة على الارض لا خلاف فيها ينبغي التمسك بها و احترامها في اي تفكير و هي ايضا مرجعية كل السياسات التي تخدم هذا الشعب و حتى انها مقياس للوضوح ان لم اقل للوطنية.
و حتى نكون موضوعيين مع انفسنا و شعبنا، فلابد لكل عمل سياسي من ثوابت ، و تلك هي ثوابت سياستنا في مرحلة التحرير على الاقل ، إضافة الى ان هذه القضية امانة في عنق كل مواطن مهما كان حاله، و الرجوع عنها ردة و أضعف الامان ان لا يمسها بسوء. فمن اراد نهج عمل سياسي ناجح خالي من المزايدات و التخبط العشوائي، يفيد قضيته و يدفعها الى الامام فالينطلق من هذه الثوابت، و من اراد اتخاذ السياسة كهواية، (هوبي) لا ناهي فيها و لا منتهٍ، فذك شأنه، “وَ أِل رَيْتْ رَاكَبْ عْلَ عُودْ كُولوُ مْبَارَكْ الْعَوْدْ” .
و من اخذ العصى من وسطها يضرب برأسيها كمن اخذ السيف من مضاه .

بقلم : محمد فاضل محمد إسماعيل

0
التصنيفات: Uncategorizedسلايدرمقالات

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق
error: المحتوى محمي من النسخ