.
الأثنين 30/11/2020

صحيفة السفير اللبنانية : التعذيب في المغرب والصحراء الغربية: ولا مَن يسمع!

منذ 6 سنوات في 19/مايو/2015 8

نزلت كلمات المدعي العام على رأس يوسف كالمطرقة وهو جالس في المحكمة، وكان وجهه لا يزال متورماً ومُدمى. كان الشاب البالغ من العمر 26 سنة لا أكثر قد استدعى كل شجاعته لتسمية رجال الشرطة الثلاثة الذين قال إنهم كبلوا يديه وعصبوا عينيه، ثم انهالوا عليه بالضرب. ولكن ادعاء يوسف، وهو ناشط مفوّه ضد بطالة الشباب لم يلق أذناً صاغية في المحكمة، وأُخبر أنه قد تسبب بالإصابات لنفسه. ولم يُفتح تحقيق في الأمر، كما لم يُرسل أطباء إليه فحصه. وعوضاً عن ذلك، أرسل به إلى السجن لثمانية أشهر، إلى جانب أخيه الأصغر كريم، الذي قال أيضاً إنه تعرض للضرب.
هذه ليست مشاهد من فيلم هوليوودي حركي، هي ممارسات للشرطة المغربية في حقّ أبناء بلدهم.
فقد المتظاهر الطالب عبدالرزاق جقاو وعيه بعدما ضربته الشرطة في الحرم الجامعي عشية احتجاج في القنيطرة. ويروي كيف “حمل بعضهم عصياً خشبية طويلة. ضربوني من رأسي حتى أخمص قدمي. ثم أمسك ضابط أمن يرتدي ملابس مدنية بقيد يدين في قبضته ولكمني بين عيني. فأسقطني على الأرض، ثم جاء الآخرون وداسوا على مثانتي حتى تبوّلت. وضربوني حتى فقدت الوعي، ثم ألقوا بي خارج الحرم الجامعي لتحذير الطلبة الآخرين. واعتقد الطلاب أنني قد فارقت الحياة”.
هذه الممارسات طالت أشخاص يمرّون بالصدفة أمام إحدى التظاهرات منهم، خديجة (تمّ تغيير الاسم حماية لها) التي اعتدت عليها الشرطة عندما مرّت إلى جانب تظاهرة في الحرم الجامعي في فاس في العام 2014.
وقالت خديجة: “اتجهت شرطة الشغب صوبي من الخلف ودفعتني. سقطت فقاموا بتمزيق حجابي وضربوني. ثم جرّوني من ساقي، ووجهي إلى الأرض، إلى عربتهم. وفي الداخل، كان نحو 10 رجال شرطة آخرين ينتظرون. وهناك صبّوا علي جام غضبهم.”
يرسم قادة المغرب “صورة ليبرالية وردية محبّة للحقوق للبلاد. ولكن ما دام التهديد بالتعذيب يحوم فوق رؤوس المعتقلين والمعارضين، فإن هذه الصورة ستظلّ مجرد سراب”، هكذا يُعبر الأمين العام لمنظمة “العفو الدولية” سليل شتي، في تقرير للمنظمة ” بعنوان “ظل الإفلات من العقاب: التعذيب في المغرب والصحراء الغربية”، وهو جزء من حملة المنظمة “أوقفوا التعذيب” الرامية إلى مكافحة “أزمة التعذيب العالمية”، والتي أطلقت في أيار 2014.
وكشف التقرير أن قوات الأمن المغربية تستخدم “الضرب المبرح والأوضاع الجسدية المضنية والخنق والإيهام بالغرق والعنف النفسي والجنسي، بين جملة أساليب للتعذيب، لانتزاع اعترافات” بالجرائم أو إسكات الناشطين وسحق الأصوات المعارضة.
ويكشف التقرير النقاب عن واقع مظلم يُعاكس الصورة الليبرالية المشرّقة التي قدّمها قادة المغرب في ردّهم على الانتفاضات الشعبية في الإقليم، في العام 2011، بإطلاق الوعود بإجراء جملة إصلاحات تقدّمية وإقرار دستور جديد يُحظّر التعذيب.
وأضاف شتي يكفي أن “تخدُش السطح البراق، وستجد أن التعذيب يُستخدم لإسكات الأصوات المحتجّة وانتزاع الاعترافات الملوّثة بالتعذيب لاستخدامها في استصدار الإدانات في المحاكم. وإذا ما أعلنت معارضتك لعدم المساواة أو دافعت عما تؤمن به، فما أسهل أن يجري استهدافك بالعنف والتعذيب”.
ويستند التقرير إلى 173 حالة زعم أصحابها من الرجال والنساء والأطفال أنهم قد تعرّضوا للتعذيب وضروب من سوء المعاملة على أيدي الشرطة وقوات الأمن ما بين العامين 2010 و2014.
وشملت قائمة ضحايا التعذيب الطلاب والناشطين السياسيين من ذوي الانتماءات اليسارية أو الإسلامية، ومناصري حق تقرير المصير للصحراء الغربية، وكذلك أشخاصاً اشتبه بأن لهم صلة بجرائم إرهابية أو عادية.
“الدجاج المشوي”
ويوثِّق التقرير لأساليب وحشية من القمع تستخدمها قوات الأمن ضد الموقوفين في الحجز، من قبيل إجبارهم على البقاء في أوضاع جسدية مؤلمة مثل “الدجاج المشوي” حيث يعلّق المعتقلون من قضيب حديدي من معاصمهم وركبهم.
محمد عالي السعدي، البالغ من العمر 27 سنة، واحد من صحراويين عدة أُبلغوا عن تعرّضهم للتعذيب في حجز الشرطة عقب القبض عليهم بالعلاقة مع احتجاجات كانت قد شهدتها مدينة العيون، بالصحراء الغربية، قبل أيام، في أيار 2013. قال لمنظمة العفو الدولية ما يلي:
“هددوا باغتصابي بزجاجة، فأحضروا الزجاجة ووضعوها أمامي. جلدوا باطن قدمي بالحبال، بينما كنت معلقاً في وضع الدجاج المشوي، وغمروا قدمي في الماء المثلج… وبينما كنت معلقاً في وضع الدجاج المشوي، وضعوا منشفة في فمي وقاموا بخنقي بصب الماء في أنفي. ثم صبوا البول. ثم.. جردوني من ملابسي باستثناء ملابسي الداخلية، وجلدوني على فخذي بالأحزمة.”
وقال عبد العزيز ا الريضاوية، الذي يحمل الجنسية الفرنسية-الجزائرية ويبلغ من العمر 34 سنة، إن رجال الأمن قاموا بتعذيبه لرفضه توقيع محضر استنطاق يدينه بجرائم مخدرات عقب القبض عليه في كانون الأول 2013:
“رفضت توقيع محضر الاستنطاق، ولذا ضربوني من جديد. أغلقوا قيد يدين داخل خدي وراحوا يشدونه وكأنهم أرادوا ثقب جلدي.أغرقوا رأسه تحت الماء واستخدموا بطارية سيارة لصعقي بالصدمات الكهربائية في أعضائي التناسلية، وضربوا باطن قدمي”.
النظام يحمي الجلادين
يقول التقرير إن قوات الأمن تُبدي شعوراً صفيقاً بالإفلات من العقاب، فتنهال بالضرب الاستعراضي على المحتجين لتبعث برسالة تحذيرية إلى الآخرين. ويوثق عشرات الحالات لوحشية الشرطة ضد المتظاهرين والمارة في وضح النهار والمركبات.
ويحذّر التقرير كذلك من تطوّر جديد مرعب: استخدام تهم “تقديم تبليغ كاذب” و “الوشاية الكاذبة” لمقاضاة ضحايا التعذيب المزعومين الذين يجهرون بالحديث عن محنتهم. فقد باشرت السلطات المغربية ثماني متابعات بمقتضى هذه القوانين ضدّ أشخاص تقدّموا بشكاوى ضدّ تعرضهم للتعذيب خلال 12 شهراً مضت.
ويُمكن أن يُعاقب “تقديم تبليغ كاذب” بموجب القانون المغربي بالسجن سنة واحدة وغرامة تناهز 500 دولار أميركي، بينما تصل عقوبة ” الوشاية الكاذبة” إلى السجن خمس سنوات. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تأمر المحاكم المتهمين بدفع مبالغ كبيرة كتعويض عن “القذف” و”التشهير”.
ففي العام 2014، أدين ناشطان شابان، هما وفاء شرف وأسامة حسن، وحكم عليهما بالسجن سنتين وثلاث سنوات، على التوالي، بتهمة “تقديم تبليغ كاذب” و “الوشاية الكاذبة” عقب تقدُّمهما بشكوى ضدّ التعّرض للتعذيب. ولم يحددا الجلادين المزعومين.
وكان أربعة من الذين تقاضيهم السلطات المغربية قد تقدموا بشكاوى إلى المحاكم الفرنسية، بصفتهم يحملون الجنسية المزدوجة أو أزواجاً لمواطنين فرنسيين. وقد تصبح مثل هذه الدعاوى القضائية مستحيلة إذا ما أقرّ البرلمان الفرنسي مشروع قانون ينظر حالياً وينهي أهلية المحاكم الفرنسية في نظر الانتهاكات التي ترتكب في المغرب.
وقال شتي: “المغرب على مفترق طرق: فبإمكانه السير قُدماً نحو نظام عدالة قوي بما يكفي للتصدي لمنتهك حقوق الإنسان، أو التستر عليهم. والحكومة تتحدّث عن الإصلاح، ولكن السلطات منشغلة أكثر على ما يبدو بإنفاذ قوانين مكافحة القذف والتشهير منها بإنفاذ مكافحة التعذيب. وينبغي توفير الحماية لمن يجهرون بما تعرّضوا له من ظلم وليس مقاضاتهم”.
ردّ الحكومة
لدى تقديم منظمة العفو الدولية تقييماً أولياً لما توصّل إليه التقرير من معطيات إلى الحكومة المغربية، قامت الحكومة بإصدار ردّ مطوَّل نفت فيه نفياً قاطعاً هذه المعطيات. واستعرض الرد الجهود الرسمية المبذولة لمكافحة التعذيب، بما في ذلك ما خطّط له من إصلاحات قانونية. بيد أنه لم يعالج مسائل مهمة التي أثارتها منظمة العفو الدولية، فيما يتّصل بالادعاءات المحدّدة بالتعرّض للتعذيب، كما هو الحال بالنسبة لعدم كفاية التحقيقات بصورة معيبة في مزاعم التعذيب.
ورأى سليل أن “الحكومة تدّعي أن التعذيب بات من الماضي. وبينما قامت ببعض الخطوات فعلاً، إلا أن الفشل في التصدّي ولو لحالة تعذيب واحدة يُشكّل فشلاً جسيماً. وحقيقة الأمر، وثّقنا 173 حالة تعذيب في مختلف أرجاء المغرب والصحراء الغربية، ولأناس من شتى مشارب الحياة”.
وختم قائلاً: “صحيح أن القانون المغربي يحرِّم التعذيب، ولكن لكي يكون لهذا أي معنى في الواقع الفعلي، ينبغي على السلطات أن تُحقّق بشكل لائق في المزاعم عوضاً عن إنكار كل شيء ابتداء.”

0
التصنيفات: سلايدرمقالات

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق
error: المحتوى محمي من النسخ