.
الأربعاء 02/12/2020

مسؤولية مجلس الأمن في حالة الصحراء الغربية

منذ 6 سنوات في 28/مارس/2015 7

بقلم : هانس كوريل، مساعد الأمين العام السابق للشؤون القانونية والمستشار القانوني للأمم المتحدة.

بطلب من مجلس الأمن سلمت له رأيا قانونيا متعلقا بالصحراء الغربية في 29 يناير 2002. وقد قمت بذلك بصفتي مستشارا قانونيا للأمم المتحدة في ذلك الوقت. كان الرأي يتعلق بمدى الشرعية، في سياق القانون الدولي، لما تقوم به السلطات المغربية من منح وتوقيع العقود مع شركات أجنبية للتنقيب عن الثروات المعدنية في الصحراء الغربية. وكان استنتاجي أنه، إذا ما استمترت أنشطة التنقيب والاستغلال في تجاهل لمصالح ورغبات شعب الصحراء الغربية، فإنها ستكون في خرق لمبادئ القانون الدولي المطبق على الأنشطة ذات الصلة بالثروات الطبيعية في الأقاليم غير المسيرة ذاتيا.

هذا التطور حدث منذ 13 عاما. وفي تلك الأثناء، تابعت عن بعد التطورات في الصحراء الغربية، وبشكل خاص بسبب اتفاق شراكة صيد الأسماك المبرم بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في 2007 والبروتوكولات الملحقة به. لأن هذا الاتفاق، في رأيي، لا يتماشى مع القانون القدولي فيما يخص الصحراء الغربية.

في مطلع ديسمبر 2014، دعيت لالقي كلمة في الورشة الدولية حول موضوع مقاربة الاتحاد الأوروبي اتجاه الصحراء الغربية، نظمتها جامعة بولوغنا (Bologna) في إطار رئاسة إيطاليا للاتحاد الأوروبي. دفعني ذلك إلى إلقاء نظرة عن كثب على الوضع في المنطقة مرة أخرى. وبشكل خاص، ركزت على مسألة ما إذا كانت بعثة الأمم المتحدة  من اجل الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو)، والأمين العام ومبعوثه الشخصي، السفير كريستوفر روس، قد أحرزوا أي تقم نحو حل للوضع في الصحراء الغربية. في ذلك السياق، لاحظت التعارض الواضح بين آخر توصيات مجلس الأمن حول الصحراء الغربية والموقف الذي عكسه الخطاب الموجه للأمة الذي ألقاه الملك محمد السادس في 6 نوفمبر 2014. وجعلني ذلك أدرك أن الوضع في الحقيقة خطير جدا.

في هذا القرار (S/RES/2152/2014 of 29 April 2014) “يدعو [مجلس الأمن] الطرفين إلى مواصلة التفاوض تحت إشراف الأمين العام بدون شروط مسبقة وبنية حسنة … من اجل التوصل إلى حل سياسي عادل، دائم ومقبول لدى الطرفين، والذي سيكفل تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية (وهو موضع تركيزي)في سياق إجراءات منسجمة مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وملاحظا دور ومسؤوليات الأطراف في هذا الخصوص.”

وفي خطابه، يقول الملك أن الأمة “تحتفل بفخر بالذكرى 39 للمسيرة الخصراء” [ملاحظة للكاتب: كانت المسيرة الخضراء عبارة عن “مظاهرة استراتيجية حاشدة في نوفمبر 1975، منسقة من قبل الحكومة المغربية، لإرغام إسبانيا على تسليم الصحراء الغربية؛ المقاطعة الاسبانية النصف حضرية ذات الحكم الذاتي إلى المغرب”.] المشكل أن تلك الواقعة كانت على الأرجح خرقا للمادة 49 من معاهة جنيف الرابعة، التي تمنع على القوة المحتلة ترحيل أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وينبغي الانتباه بشكل خاص للاقتباس التالي من الخطاب:

“نقول ’لا‘ لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي وتقديمه كقضية تصفية استعمار. المغرب في صحرائه ولم يكن أبدا قوة احتلال أو قوة مديرة. وفي الحقيقة أنه يمارس سيادته على إقليمه؛”

من الواضح أن هذا الخطاب لا ينسجم البتة مع قرار مجلس الأمن. وهو كذلك يتعارض بشكل واضح مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 1975 بخصوص حالة الصحراء الغربية (Western Sahara, Advisory Opinion, I.C.J. Reports 1975, p. 12) والذي لم تجد فيه المحكمة أية روابط شرعية ذات طبيعة قد تؤثر على تطبيق التوصية 1514 (XV) في تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية و، بشكل خاص، تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة شعب الإقليم.

هذا يثير مسألة كيف يجب على مجلس الأمن الآن أن يتعامل مع الوضع في الصحراء الغربية.

فميا يتعلق بالثروات الطبيعية للصحراء الغربية فإن مجلس الامن وببساطة لا يمكنه السماح للوضع الحالي بالاستمرار. وفي هذا السياق فإن هناك مسألة خطيرة وهي اتفاق الصيد البحري بين الا تحاد الأوروبي والمغرب والذي لا يتضمن كلمة واحدة – ما عدا العبارة المشفرة “السيادة أو نطاق سلطة الدولة” في المادة 2 (أ)- عن حقيقة أن ’نطاق سلطة الدولة‘ المغربية في مياه الصحراء الغربية تقيده القواعد الدولية لتقرير المصير. وبدلا من ذلك، فإن الاتفاق وبروتوكولاته مليئة بالإشارات إلى “مناطق الصيد البحري المغربية”.

لكي يكون شرعيا، ينبغي لاتفاق من هذا النوع أن يحتوي على إشارات واضحة إلى منطقة الصيد قبالة سواحل الصحراء الغربية، المحددة بالاحداثيات. كما أن نظام إصدار تراخيص الصيد داخل هذه المنطقة يجب أن يكون منفصلا تماما عن النظام المطبق في منطقة الصيد المغربية. وإضافة إلى ذلك، فإن الإيرادات التي تجنيها تراخيص الصيد في منطقة الصحراء الغربية لا ينبغي أن تسلم للخزينة العامة المغربية أو ما يعادلها بل تودع في حساب خاص يمكن مراقبته بشكل مستقل من طرف ممثلين عن شعب الصحراء الغربية لكي يتأكدوا من استعمال الإيرادات فقط بما يستجيب لحاجات ومصالح شعبهم.

انطلاقا من هذه الخلفية ينبغي لمجلس الامن أن يختبر شرعية اتفاق الصيد البحري المبرم بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. والطريقة المثلى للحصول على جواب جازم لهذه المسألة هي أن يطلب مجلس الامن من محكمة العدل الدولية أن تعطي رأيا استشاريا حول المسألة تماشيا مع المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة. وفي حال ما إذا عجز المجلس عن القيام بذلك بموافقة كافة أعضائه، فإن الجمعية العامة بإمكانها اتخاذ هذه المبادرة.

وما قيل عن الصيد البحري ينطبق كذلك على باقي الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية، مثل الفوسفات، البترول والغاز، أو ثروات أخرى، سواء أكانت متجددة أو غير متجددة. وانطلاقا من هذا، على مجلس الأمن أن يتبنى قرارا يضع شروطا واضحة للتنقيب عن الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية واستغلالها تستجيب لتوصيات الجمعية العامة الصادرة في النقطة من جدول أعمالها التي تحمل العنوان “تطبيق إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة” والتوصيات الأخرى ذات الصلة التي تعالج الأنشطة المتعلقة بالمصالح الاقتصادية ومصالح أجنبية أخرى التي تعيق تطبيق هذه التوصية.

آخر تطور فيما يخص الثروات الطبيعية هو عقد بين المغرب وشركتين، كوسموس وغلينكور، متعلق بالتنقيب عن البترول واستغلاله في منطقة رأس بوجدور قبالة ساحل الصحراء الغربية.  وأرى من خلال شبكة الانترنيت أن الشركتين تزعمان أن هذا العقد منسجم مع رأيي الاستشاري الصادر في 2002. وللأسف، فالأمر ليس كذلك. فمجرد التوقيع على اتفاق يشير فيه المغرب إلى الصحراء الغربية على انها “الأقاليم الجنوبية للملكة المغربية” هو فعل مخالف للمسؤولية الاجتماعية للشركات ولمبادئ الحماية، الاحترام والمعالجة.

وفي آخر تقرير له عن الوضعية المتعلقة بالصحراء الغربية، المؤرخ 10 ابريل 2014، يلاحظ الأمين العالم أنه، وفي ضوء حضور الصحراء الغربية على لائحة الأقاليم غير المسيرة ذاتيا منذ 1963، “فإن جهود الأمم المتحدة، من خلال عمل مبعوثي الشخصي، وممثلي الخاص والمينورسو، ستبقى ذات أهمية كبيرة حتى تحديد وضعها النهائي.” وإذا لم يحدث أي تقدم قبل شهر ابريل 2015، فإن الأمين العام يؤمن بأنه سيكون قد حان الوقت لمطالبة أعضاء المجلس بإجراء مراجعة شاملة للإطار الذي وضعه للمسلسل التفاوضي في 2007.

وعليه، فإن السؤال هو كيف سيتعامل مجلس الأمن الآن مع الموضوع الرئيسي، وهو مسألة التكفل بضمان تقرير مصير شعب الصحراء الغربية. هذا المسلسل دام إلى حد الآن لعقود، ومن الواضح ان المفاوضات الحالية قد أضحت مسرحية تحزيرية منتهية. كيف يجب القيام بهذا هو مسألة سياسية على مجلس الأمن ببساطة أن يتعامل معها. وفي نفس الوقت، أي حل ينبغي أن يكون منسجما مع القانون الدولي. ففي هذا المسلسل يجب على مجلس الأمن الآن أن يتدارس خيارات أكثر راديكالية من التي تم تطبيقها في الماضي، ومن بينها الخيارات الثلاثة التالية:

أحد الخيارات هو تحويل المينورسو إلى عملية مماثلة للإدارة الانتقالية الأممية في تيمور الشرقية (UNTAET)، التي أعطيت لها المسؤولية العامة عن إدارة شؤون تيمور الشرقية وصلاحية ممارسة كافة السلطات التشريعية والتنفيذية، بما فيها إدارة العدالة.

خيار آخر هو إعطاء الأمر لإسبانيا لكي تستأنف مسؤوليتها كقوة مديرة في الصحراءالغربية، وهي المسؤولية التي تخلت عنها إسبانيا في فبراير 1976. ففي المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة يشار إلى هذه المسؤولية، التي تشمل تطوير التسيير الذاتي، على أنها “ائتمان مقدس”. وبسبب كون إسبانيا قد تخلت عن هذا “الائتمان المقدس” بالتحديد، فإن هذا الخيار، ولو أنه قانوني، قد لا يوصى به. والمعضلة الإضافية في هذا السياق هي ان إسبانيا حاليا عضو في مجلس الامن.

ومشكلة هذين الخيارين أنهما يستوجبان تنظيم استفتاء يمكن شعب الصحراء الغربية من ممارسة حقه في تقرير المصير. وهذا يعني أن عملية تحديد الهوية التي كانت مشكلة دائمة على مر السنين ستشكل أيضا عقدة كبيرة.

ونظرا لأن موضوع الصحراء الغربية كان على أجندة الأمم المتحدة لأربعة عقود، فإن الحل قد يكمن في خيار ثالث وأكثر راديكالية، وهو أن يعترف مجلس الأمن بالصحراء الغربية كدولة ذات سيادة. وهذا الخيار كذلك سيكون مقبولا من وجهة النظر القانونية. فهو لن يحرم شعب الصحراء الغربية من أن يسعى وراء حل مختلف لتقرير مصيره في المستقبل إذا ما رغب في ذلك.

ولكن، ومن وجهة النظر الأمنية، فإن هذا الخيار تترتب عليه عدة مشاكل ينبغي معالجتها. قبل كل شيء، فهو يتطلب مجهودا كبيرا لدعم بناء القدرات من اجل إنجاح التسيير الذاتي، وإلا فإنه سينتهي بخلق دولة فاشلة، ستتسبب في مخاطر كبيرة، أخذا بعين الاعتبار الوضعية الأمنية في بعض البلدان المجاورة في المنطقة على سبيل المثال لا الحصر. والحل هنا قد يكون أن يفعل مجلس الأمن قراره في تاريخ سابق ربما بخمس سنوات، بينما يوكل للمينورسو أثناء ذلك مأمورية مماثلة لتلك التي أعطيت للإدارة الانتقالية الأممية في تيمور الشرقية (UNTAET).

وأنا أقدم هذه المقترحات، فإنني أؤكد أنني أفعل ذلك بصفتي الشخصية وبكل حياد (انظر الاقتباس أسفله). ليست لدي أية اتصالات بأي من طرفي النزاع. وكما قلت في ندوة في بريتوريا في 2008 حول شرعية التنقيب عن الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية واستغلالها، استضافتها وزارة الخارجية الجنوب افريقية وجامعة بريتوريا، ليس لدي أية مصلحة أخرى في هذا الشأن غير مصلحة سيادة القانون، وأن تحترم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة المعايير التي أرستها المنظمة ذاتها. هذه المقترحات مبنية على تجاربي كقاضي ومستشار قانوني لعدة سنوات (السويد) ولاحقا كمستشار قانوني للأمم المتحدة لعشر سنوات. فهي ببساطة تشكل تعبيرا عن وقوفي إلى جانب القانون حسب أفضل معرفة لي به.

أولئك الذين يخدمون الأمم المتحدة الآن عليهم أن يستحضروا المعيار الذي وضعه الأمين العام الراحل للأمم المتحدة داغ هامارسكيولد. ففي خطابه الشهير في أكسفورد عام 1961، الذي يحلل فيه واجبات الموظف العمومي الدولي، يشير في الواقع إلى المعايير التي ينبغي على القضاة تطبيقها وبعد ذلك يستطرد قائلا:

إذا كان الموظف العمومي الدولي متأكدا من أنه حر من التأثيرات الشخصية في أفعاله وأن ما يوجهه هي فقط الأهداف والقواعد العامة التي وضعت من طرف و للمنظمة التي يخدمها والمبادئ القانونية المعترف بها، فعندئذ يكون قد قام بواجبه، وعندها يكون قادرا على مواجهة الإنتقادات التي ستكون، وحتى في تلك الحالة، لا مفر منها. وكما قلت،  فهذه، في آخر المطاف، قضية استقامة، وإذا كانت الاستقامة بمفهوم احترام القانون واحترام الحقيقة ستؤدي به إلى مواقف صراع مع هذه المصلحة أو تلك، فإن ذلك الصراع هو مؤشر على حياده وليس على فشله في التحلي بالحياد – فإنه يتماشي، ولا يتناقض، مع واجباته كموظف عمومي دولي.

إن سبب إثارتي لمسألة الصحراء الغربية الآن هو أنها وضعية يكاد فيها مجلس الأمن يفشل في الوفاء بمأموريته. فحسب ميثاق الأمم المتحدة، لمجلس الأمن التزام قانوني بالتصرف في وضعيات مثل الوضعية الحالية. هذا الالتزام يأتي من المادة 24 – النص الذي يكلف فيه مجلس الأمن بالحفاظ على السلام والأمن الدوليين كمهمة أولوية.

في الماضي، كانت هناك عيوب خطيرة بهذا الخصوص، بما فيها الحالات التي ينتهك فيها أعضاء المجلس الدائمون حتى ميثاق الأمم المتحدة. وآخر مثال هو أوكرانيا. هذا الفشل في احترام والدفاع عن سيادة القانون على المستوى الدولي يجب أن ينتهي ببساطة. يجب دعم سلطة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن أن يكون في المقدمة. وعليه فإنه من الملح أن يتعامل مجلس الأمن مع مسألة الصحراء الغربية بحزم وتصميم وأهمية بما ينسجم مع القانون.

0
التصنيفات: مقالات

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق
error: المحتوى محمي من النسخ